استمع للقرآن الكريم Listen to Holy Quran

الأربعاء، 20 يونيو، 2012

الرد على ريتشارد دوكنز "وهم الإله"



الرد على ريتشارد دوكنز "وهم الإله"

  




عندما بدأت في قراءة كتاب  "وهم الإله" للمؤلف ريتشارد دوكينز، كنت أتوقع أن أواجه أسباب جديدة طرحت لجعل قضية الالحاد العالمية قضية أقوى، لكن في الحقيقة فقد خاب أملي. ما قرأته كان مجرد أدلة وحجج قديمة أكل عليها الدهر وشرب وغير متماسكة جعلتني أدرك أن دوكينز لا يعلم في الفلسفة شيئا. في ضوء ذلك أعتقد أنه سيكون من المفيد الرد على أهم حججه على النحو التالي:


1. الرد على ما جعله داوكينز دليله الرئيسي.
2. الرد على ما يعتبره الفلاسفة أهم أدلته.




الرد على ما جعله داوكينز دليله الرئيسي
وردا على ما يعتبره داوكينز دليله الرئيسي وهذا على صفحات كتابه 157 - 158 فيلخص ما يسميه هو " الدليل الرئيسي لكتابي":
1. من أكبر التحديات التي تواجه الفكر البشري هي تفسير قضية التصميم المعقدة وغير المحتملة في بدء الكون.
2. السبب الطبيعي هو أن ننسب ظهور التصميم للتصميم في حد ذاته.
3. هذا السبب يعتبر خطأ، لأن فرضية المصمم ما إن تطرح مشكلة أكبر ألا وهي السؤال: من الذي صمم المصمم؟
4. التفسير الأفضل والأقوى هو نظرية التطور الداروينية عن طريق الانتقاء الطبيعي، لكن لا نملك تفسيرا في الفيزياء يعادلها.
5. لا ينبغي لنا أن نفقد الأمل في التوصل الى تفسير أفضل في الفيزياء، تفسير لا تقل قوته عن الداروينية في لعلم الأحياء.
إذن الله في الغالب لا وجود له.

ملاحظة:
قبل أن أذهب إلى أفكار داوكينز الرئيسية، أود أن مناقشة استنتاجه التالي " إذن الله في الغالب لا وجود له " وهنا أريد أن أسأل كيف أمكن له أن يستنتج أن الله غير موجود من البيانات المذكورة أعلاه؟ يبدو لي بأنه يقفز إلى استنتاجات بدون دليل وهذا يبين هشاشة حججه. يبدو لي أن الوهم الوحيد هو قناعة داوكينز أن حججه في رفض وجود الله قوية.
لو تمكنا من استخلاص أي شيء من أدلة داوكينز سيكون المعنى في أننا لا ينبغي أن نستنتج أن الله موجود على أساس تصميم الكون. حتى ولو كان ذلك صحيحا فهذا لا يعني أن الله غير موجود، ونحن نعتقد أن في وجود الله من حجج كثيرة أخرى والتي تشمل:
-  الدليل من الأخلاق
-  معجزة القرآن الكريم
-  الدليل الكوني
-  دليل التجربة الشخصية
-  دليل الوعي

إذا قبلنا جميع مقولات داوكينز فإن الأمر لن يكون كافيا لرفض فكرة أن الله موجود، وبالتأكيد فهي لا تعطي أدلة مقنعة أو إيجابية للإلحاد. ومع ذلك فإن العديد من المقولات ليست صحيحة. دعونا نأخذ مقولاته والرد عليها واحدة تلو الأخرى.

المقولة 1: من أكبر التحديات التي تواجه الفكر البشري هي تفسير قضية التصميم المعقدة وغير المحتملة في بدء الكون.
أنا أعتقد أن أكبر تحدي بالنسبة لدوكينز هو نفي وجود الله بل في الواقع التحدي الأكبر هو أن يثبت صحة فرضه للإلحاد. بالنسبة لشخص فطن ويفكر بعمق في الأشياء، أعتقد أن أبسط وأفضل وأقوى تفسير على الاطلاق هو وجود مصمم خارق. والنقطة التالية سأثبت لماذا من المنطقي أن يوجد الله لكي يصمم الكون.

المقولة 2: السبب الطبيعي هو أن ننسب ظهور التصميم للتصميم في حد ذاته.
هذه ليست أسباب طبيعية ولكن نتيجة منطقية مستخلصة من برهان "النظم" أي دقة الكون وهي من الشروط الأولية للكون. اسمحوا لي أن أبدأ من خلال تقديم أفكار أساسية لهذه الحجة:
- دقة الكون تسمح بوجود الحياة وهذا راجع إما إلى الضرورة المادية أو العشوائية أو التصميم.
- دقة الكون لا ترجع إلى الضرورة المادية ولا العشوائية.
- إذن فإن ذلك يرجع إلى التصميم.

توضيح الفرضية الأولى:
وجود كون يسمح بالحياة للإنسان يرجع إلى شروط لابد وأنها قد جُعلت دقيقة وتم ضبطها لدرجة تصعب على بعض الأفهام. ولنأخذ الأمثلة التالية بعين الاعتبار:

• قوة الجاذبية والقوة النووية الضعيفة: يقول الفيزيائي ب.س.و. ديفيس بأن أي تغيير طفيف في قوة الجاذبية أو من القوة النووية الضعيفة من شأنه أن يمنع كونا يسمح بوجودنا. ديفيس يبرهن بأن هذا التغيير طفيف ودقيق جدا كدقة جزء واحد في 10 قوة 100. (أي 1 وعلى يمينه مئة صفر)

• حجم فضاء الطور للأكوان الممكنة: روجر بينروز من جامعة أكسفورد يوضح أن الخالق لابد أن يكون لديه حجم صغير جدا من " فضاء الطور للأكوان الممكنة" لخلق كون يشابه كوننا. هذا علم تقني وعملي جدا ولكن ينبغي لنا أن نطرح هذا السؤال: ما هو مقدار هذا الحجم؟ يقول بينروز أن الحجم هو 1/10 قوة X  (يعني أس مجهول) أي 10 قوة 123. إذن فالدقة المطلوبة لصنع كون يشابه كوننا هو أكبر بكثير من الدقة التي تتطلب للضغط على بروتون واحد إذا كان الكون عبارة عن لوحة رمي السهام !

في ضوء ما سبق، لا يوجد سوى ثلاث تفسيرات محتملة لدقة الكون و"النظم" المذكورة أعلاه:
- الضرورة المادية
- العشوائية
- التصميم

لماذا لا يمكن أن يكون ضرورة مادية؟
هذا الخيار غير عقلاني فليس هناك أي سبب مادي يفسر لماذا هذه الثوابت والكميات لديها هذه القيم بعينها. كما يقول ب.س.و. ديفيس: " حتى لو كانت قوانين الفيزياء فريدة من نوعها فهذا لا يعني أن الكون المادي بذاته هو فريد من نوعه ... لا بد وأن الظروف الأولية الكونية قد عززت وزادت من قوانين الفيزياء ... لا يوجد شيء في الأفكار الحالية في الوقت الحاضر فيما يخص 'قوانين الظروف الأولية" تشير إلى أن توافقها مع قوانين الفيزياء قد يعني ضمنيا التفرد. على العكس من ذلك ... على ما يبدو أن الكون المادي ليس من الضروري أن يكون على ما هو عليه الآن، فقد كان يمكن أن يكون على خلاف هذا الشكل".
وبالإضافة إلى ذلك، إذا تبنى أي شخص نظرة أن دقة الكون التي تسمح بحياة الإنسان ترجع إلى الضرورة المادية، فهذا يعني أنه من المستحيل أن يكون الكون غير صالح  للحياة ! لكن علماء الفيزياء يؤكدون أن الكون الذي نعيش فيه ليس بالضرورة أن يكون على الطريقة التي هو عليها الآن، وكان يمكن أن توجد هناك أكوان أخرى كثيرة لا تسمح بالحياة البشرية.

لماذا لا يمكن أن يكون عشوائيا؟
بعض الناس الذين لا يدركون استحالة أن يأتي الكون بالصدفة إلى حيز الوجود ويقولون: "يمكن أن يكون قد أتى بالصدفة!" وبالرغم من ذلك هل يمكن لهم أن يفسروا لنا كيف وجدوا فيلا ينام في المرآب ليلا؟ أو يفسروا لنا كيف وجدوا طائرة من نوع 747 متوقفة في حديقة منزلهم؟ حتى بعد ظهور استحالة وجهة نظرهم فالبعض ما يزالون يتمسكون بالنظرية القائلة بأن الكون يمكن له أن يوجد نتيجة للصدفة. وردا على هذا أود أن أقول بأن الأمر لا يقتصر فقط على الصدفة بل يوجد هناك شيء يقوله المنظرون مثل وليام دمبسكي وهو ما يدعى "الاحتمال المحدد أو المقيد".
الاحتمال المحدد هو الاحتمال الذي يتوافق مع نموذج  مستقل. لتوضيح هذا أضرب مثالا: تخيل أن وضعنا قردا في غرفة لمدة أربع وعشرين ساعة لكي يكتب على الكمبيوتر الخاص بك. وعند دخولك للغرفة في الصباح وجدته قد كتب مقطوعة شعرية (سوناتا) شكسبير "كن أو لا تكن". القرد قد كتب بأعجوبة جزءا من مسرحية شكسبير! ألم تكن تتوقع أنه سيكتب كلمات عشوائية مثل "بيت" "سيارة" "تفاحة" رغم أنها غير محتملة ...  ولكن في هذه الحالة لم نجده قد كتب كلمات إنجليزية فحسب، لكن المشكل أننا وجدناه قد كتب مقطوعة شعرية متطابقة مع قواعد اللغة الإنجليزية! وقبول هذه ليس سوى نتيجة للصدفة العمياء فهذا الأمر غير عقلاني بل ومخالف للتفكير الصحيح، ولا يمكن لأي شخص أن يدعي صدق هذا الرأي. لتمثيل هذا على أرض الواقع ، حسب علماء الرياضيات البريطانيون في كل لحظة ممكنة احتمال كتابة القرد على الكمبيوتر، فوجدوا أن الأمر سيستغرق 28 مليار سنة لإنتاج المقطوعة الشعرية "كن أو لا تكن" لشكسبير!!  لذلك قبول فرضية الصدفة والعشوائية هو بمثابة رفض وجود الكون الخاصة بنا أصلا.
بما أن القولان الأول والثاني صحيحان، يترتب على ذلك وجود تصميم خارق وهذا هو التفسير الأكثر منطقية لدقة الكون الذي يسمح للحياة البشرية عليه.

المقولة 3: هذا السبب يعتبر خطأ، لأن فرضية المصمم ما إن تطرح مشكلة أكبر ألا وهي السؤال: من الذي صمم المصمم؟
هذه المقولة التي تعتبر مخالفة لحجة التصميم خاطئة لسببين رئيسيين هما:
أولا: أي شخص لديه فهم أساسي لمبادئ فلسفة العلوم يدرك أن في الاستدلال على أفضل تفسير خطأ، لأن أفضل تفسير لا يحتاج إلى تفسير وأن اعتراض دوكنز في غير محله! المثال التالي سيوضح هذه الفكرة. تخيل 500 سنة من الآن، وجاء مجموعة من علماء الآثار وبدؤوا بالحفر في متنزه (هايد بارك) في لندن لكي يعثروا على أجزاء وقطع من سيارة وحافلة. عند ذلك نتقبل استنتاجهم في أن هذه الاكتشافات لم تكن نتيجة أي عملية بيولوجية ولكن كانت لحضارة من الحضارات. لكن إذا اعترض بعض المتشككين وقالوا بأننا لا ينبغي لنا أن نستنتج هذه الاستنتاجات، لأننا لا نعرف شيئا عن هذه الحضارة وكيف كانوا يعيشون فيها ومن الذي خلقهم، فهل هذا الاعتراض يعني أن استنتاجات علماء الآثار غير صحيح؟  بالطبع لا !
ثانيا: إذا أخذنا اعتراض دوكنز هذا على محمل الجد فقد هدمنا أسس العلم والفلسفة نفسها. إذا كان علينا أن نفسر الافتراضات الأساسية للعلوم على سبيل المثال أن العالم الخارجي موجود، في نظركم ما هو مستوانا اليوم في التقدم العلمي ؟ وبالإضافة إلى ذلك إذا كان علينا أن نطبق هذا النوع من الأسئلة على كل محاولة لتفسير التفسير، فإننا سننتهي إلى سلسلة لانهائية من التفسيرات. وهذه السلسلة اللانهائية ستهدم كل الأهداف العلمية في المقام الأول التي من شأنها أن تقدم تفسيرا !

ملاحظة حول رفض الخوارق:
دوكنز كذلك يرفض مصمما خارقا لأنه يعتقد بأن الأمر يفتقر لقوة تفسيرية كما قال سابقا، وبعبارة أخرى، لم يتم إحراز أي تقدم بشرح دقة الكون. هو يقدم هذا الاعتراض لأنه يشعر أن المصمم الخارق هو مجرد معقد مثله مثل التصميم. لكن اعتراض داوكينز يطرح إشكالا لأنه يفترض أن المصمم الخارق معقد بقدر تعقيد الكون. لكن هذ المصمم الخارق (الله عز وجل) هو من أبسط المفاهيم التي يفهمها الجميع. وهذا الرأي هو ما يقوله العديد من الفلاسفة بما في ذلك الملحد الشهير الذي تحول إلى مؤمن الأستاذ أنتوني فلو.
افتراض دوكنز الآخر هو أن الله مكون من أجزاء كثيرة، ولكن في الحقيقة الله تعالى غير مادي ومتعال وواحد أحد. لمجرد أن الله يمكن أن يفعل أشياء معقدة لا يجعله معقدا، يبدو لي أن دوكنز يخلط بين القدرة والطبيعة. وبعبارة أخرى، لمجرد أن الله يمكن أن يفعل أشياء معقدة مثل خلق الكون لا يجعله منه معقدا بالضرورة. وبالتالي فإنه من المعقول أن الله هو أبسط و أفضل تفسير.

المقولة 4: التفسير الأفضل والأقوى هو نظرية التطور الداروينية عن طريق الانتقاء الطبيعي، لكن لا نملك تفسيرا في الفيزياء يعادلها.
هذه الأطروحة غير صحيحة بتاتا للأسباب التالية:
1. التطور لم يصبح دليلا حتى
2. التطور مستند على احتمالات لا تحصى
3. التطور أمر مستحيل لأننا لم نمضي ما يكفي من الوقت على الأرض حتى الآن

اسمحوا لي أن نتوسع في هذه النقاط:
 1. التطور لم يصبح دليلا حتى
فيما يتعلق بوجود الله فالتطور ليس دليلا حتى لكي ينقض وجوده بل هو بعيد مليارات السنين عن ذلك. دليل النظم ودقة الكون المذكورة أعلاه يشير إلى الظروف الأولية للكون والثوابت العديدة التي تسبق أي عملية تطورية تاريخيا ، ببساطة التطور ليس له دليل يدعمه.
2. التطور مستند على احتمالات لا تحصى
الاحتمالات التي تعترض على تشكل الجينوم البشري بعشوائية لا تعد ولا تحصى. إن احتمال تجميع الجينوم هو ما بين 4 قوة -180 إلى 4 قوة -110000  و 4 قوة -360 إلى 4 قوة -110000. هذه الأرقام ترفض احتمالية وجود الأنواع مثل الانسان العاقل (هوموسايبين). وإذا كان على أي شخص أن يقبل التطور عن طريق الصدفة، فيتوجب عليه الايمان بوجود معجزات وهذه الأرقام مرتفعة جدا جدا ! ولذلك في هذه الحالة التطور نفسه يثبت وجود الله!
3. التطور أمر مستحيل لأننا لم نمضي ما يكفي من الوقت على الأرض حتى الآن
وفقا للعالمين ج. د. بارو وف.د. تيبلر، فإن احتمالات تشكل مورثة أو جينة واحدة هي ما بين 4 قوة -180 إلى 4 قوة -360. والاستنتاجات ببساطة تقول بأنه لم يكن هناك ما يكفي من الوقت منذ تشكيل الأرض لكي تتشكل عدد من مجموعات قاعدة نوكليوتيدية التي يمكن أن تقارن ولو من بعيد إلى هذه الأرقام !

المقولة 5: لا ينبغي لنا أن نفقد الأمل في التوصل الى تفسير أفضل في الفيزياء، تفسير لا تقل قوته عن الداروينية في لعلم الأحياء.
دوكنز أساسا يقول بأننا نملك تفسيرا طبيعيا للتصميم الظاهر في الأنواع وأننا لا نملك تفسيرا مماثلا للفيزياء، إذن علينا أن ننتظر. أليس هذا ما يسمى بالإيمان الأعمى؟ هذه الأطروحة تدعي استعمال العلم (النزعة العلمية) كوسيلة وحيدة لإثبات الحقائق أو الاستنتاجات السليمة. لماذا يريد منا أن ننتظر الحصول على تفسير طبيعي؟ تبني داوكينز لهذا وادعاؤه استعمال العلم كطريقة وحيدة لإثبات الوقائع ليست صحيحا للأسباب التالية:

• النزعة العلمية: هي التي ترى أنه ينبغي لنا أن نصدق ما يمكن اثباته علميا فقط وهو هزيمة للذات. النزعة العلمية تدعي أن أي اقتراح أو قول غير صحيح إلا  إذا أثبت علميا. ومع ذلك فإن الأطروحة السابقة غير مثبتة علميا. لذلك فطبقا لهذا الادعاء، الادعاء في حد ذاته غير صحيح وبالتالي النزعة العلمية تهدم نفسها بنفسها.

• النزعة العلمية: لا يمكن لها أن تثبت الحقائق اللازمة مثل الرياضيات والمنطق. على سبيل المثال: "إذا كانت (ع) تعني (س) و (ص) فإن (س) تعني (ص)" و "3 + 3 = 6" فهذه حقائق لازمة ضرورية وليست مجرد تعميمات تجريبية. في الحقيقة النزعة العلمية تتطلب هذه الحقائق اللازمة، ولكن لا يمكن اثباتها، وأية محاولة للقيام بذلك ستكون بمثابة من يجادل في حلقة مفرغة.

• النزعة العلمية: هذه النزعة تقتصر في نطاق فقط لأنه لا يمكن معالجة الوقائع السياسية أو الأخلاقية. النزعة العلمية لا يمكن لها أن توفر سوى "الرفاهية والهناء" فيما يخص الأخلاق كمعيار للحقائق الأخلاقية. وعلى كل حال فإن المغتصبين والكذابين واللصوص جميعا يعشون في "رفاهية وهناء " بسبب أفعالهم، وبالتالي فإن المشهد الأخلاقي، حسب تعريف العلم، مليء بالناس الخيرين والأشرار ومن وجهة النظر هذه فإن الأخلاق ليس له معنى.

نستخلص مما سبق أن حجة دوكنز الأساسية والمركزية قد فشلت وأخطأت وبذلك أحرجت المجتمع العلمي، والفيلسوف الملحد مايكل روز يصرح قائلا: "خلافا للملحدين الجدد، أود تبنى دراسة على محمل الجد. كنت قد كتبت سابقا بأن كتاب دوكنز (وهم الله) جعلني أخجل من كوني ملحدا وأنا أعني ما قلته. في محاولة لفهم كيفية أن الله قد لا يحتاج إلى أي سبب، مطالبة فالمسيحيون يقولون بأن الله موجود بالضرورة. بذلت جهدي لمحاولة فهم ما يعنيه ذلك. داوكينز والشركة جاهلون بخصوص هذه المطالبات ويحتقرون أولئك الذين يحاولون حتى فهمها ناهيك عن تصديقهم. وهكذا مثل الطلاب الجامعيين في السنة الأولى يمكن أن يذهب ويصرخ في جميع الأنحاء بصوت عال، "من الذي خلق الله؟" كما لو أنه قد قام باكتشاف عظيم في الفلسفة ".

الرد على ما يعتبره الفلاسفة أهم أدلته
يقول المحاضر في جامعة ييل والفيلسوف غ.هـ. غرانسل بأن أقوى دليل لدوكنز موجود في الصفحة 55:
"إن الكون بوجود مشرف خارق ومبدع سيكون مختلفا جدا عن الكون الذي لا يوجد فيه ذلك". ويمكن تلخيص حجة داوكينز على النحو التالي:

1. الكون الذي خلقه الله سيكون مختلفا عن ذلك الذي أوجدته الطبيعة
2. الكون الذي نعيش فيه يناسبه أن يكون قد تم إنشاؤه من قبل الطبيعة
3. ولذلك فإن الكون الذي نعيش من المحتمل أنه تم إنشاؤه من قبل الطبيعة.



أنا أرى أن حجة داوكينز بعيدة كل البعد عن الحقيقة، وهذا يرجع إلى أن الكون الذي نعيش فيه يجعل الأمر أكثر منطقية في أن الله هو من أوجده وذلك للأسباب التالية:

1. الكون منظم وجاهز للتحليل العقلاني
لو لم يكن الله موجودا لما كان الكون منظما بهذا النظام، ولما كان مضبطا بهذه الدقة التي تسمح للحياة البشرية عليه. يقول الأستاذ روجر بنروز: "هناك منطق أكيد فيما أود قوله إن الكون له هدف ولم يأتي من قبيل الصدفة ... ولا أعتقد أن هذه طريقة مفيدة في النظر للكون".
وبالإضافة إلى ذلك، فإن حقيقة تمكننا من مراقبة وأداء التحليل العقلي على النماذج التي ندركها في هذا الكون تجعل من الأمر أكثر منطقية بوجود الله، لأنه الكون الذي لو صنع من قبل الطبيعة سيكون كما يتوقع أكثر فوضوية. هذا لا يعني أن الكون من دون إله لا يمكن أن يكون منظما، إلا أنه على الأرجح أن الله قد خلق كونا منظما وبما أن الكون الذي نعيش فيه هو يجعل من المنطقي أن يوجد الله الذي يعني وجوده تناسبا مع كوننا.

2. الكون به كائنات واعية وعاقلة
الكون الذي يحتوي على الوعي والإدراك يجعل من المنطقي وجود الله أما الكون الذي من دون إله سيكون مختلفا جدا عن هذا الذي نعيش فيه. وللتوضيح، البشر يمرون بتجارب طوال وقت، هذه المقالة التي تقرأها الآن تعتبر تجربة وحتى حديثك عن تجربتك تعتبر تجربة أيضا. لكن الحقيقة المطلقة التي ندركها من أي تجربة هي تلك التجربة التي يمر عليها الشخص بنفسه ويجربها. عندما ندرك أن هناك شخصا ما وهو "أنا" أو "لي" أو "ملكي" سنواجه سرا غامضا. الفيلسوف روي ابراهام فارجيس كتب: "على عكس ديكارت" أنا موجود إذن أنا أفكر" ... من هو "أنا "؟ "أين" هو؟ كيف وصل الأمر إلى أن تكون؟ فالذات ليست مجرد شيئا ماديا ". الذات ليست شيئا ماديا إذا هي ليست محتواة في أي خلية أو بنية حيوية (بيولوجية). الحقيقة البديهية التي لا يجادل فيها أي أحد هي أننا جميعا مدركون وواعون، ولكننا لا نستطيع أن نفسر أو نشرح هذا الادراك والوعي. الشيء الوحيد الذي نحن متأكدون منه هو أنه لا يمكن تفسير النفس والذات بيولوجيا أو كيميائيا. السبب الرئيسي في ذلك هو أن العلم لم يكتشف الذات بل العكس من ذلك، إذا حاول العلم تفسير حقيقة الذات والنفس سيكون بمثابة الدوران في حلقة مفرغة! حتى العلماء يدركون هذا، و الفيزيائي جيرالد شرويدر يشير إلى أنه ليس هناك أي فرق حقيقي بين حفنة رمل ودماغ أينشتاين. انتهى أمر مؤيدي التفسير المادي للذات إلى فوضى لأنهم يريدون إجابات على أسئلة أكبر مثل "كيف يمكن لأجزاء معينة من المادة أن تشكل فجأة شكلا جديدا لا يماثل هذه المادة؟". إذا كانت الذات لا يمكن أن تفسر ماديا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: "كيف تكونت؟". إن تاريخ الكون يثبت أن الوعي أو الذات قد نشأ فوريا وأن اللغة قد ظهرت بدون أي سلف تطوري إذن فمن أين جاءت؟ لقد فشل حتى الملحدون الجدد في تفسير طبيعة الذات ومصدرها، لأنه لا يوجد أي تفسير مادي متماسك بما فيه الكفاية ليكون مقنعا. حتى ريتشارد دوكينز يعترف تقريبا بالهزيمة فيما يتعلق بالذات والوعي، ويقول: "نحن لا نعرف نحن لا نفهم ذلك ".
أفضل تفسير لطبيعة ومصدر هذه النفس هو أنها قد جاءت من مصدر مفكر مدرك وواعي. هذه الذات، التي هي كيان ذو قدرة على التفكير والتجربة والخبرة، كيف لها أن تظهر نفسها وتأتي؟ لا يمكن لها أن تأتي من مادة لا واعية وغير قادرة على التفكير والتأمل. ببساطة المادة لا تستطيع إنتاج المفاهيم والتصورات، لذلك نستنتج أن الذات لا يمكن أن يكون لها أساس مادي ولكن يجب أن تأتي من مصدر حي يتجاوز هذا العالم المادي، وأفضل تفسير لهذا هو الله. ليست هناك أي إجابة أخرى تعطي تفسيرا كافيا ومقنعا لهذه الظاهرة.

3. الكون يحتوي على أخلاق موضوعية:
جميعنا يؤمن بأن قتل 6 ملايين من اليهود خلال الحرب العالمية الثانية كانت خطئا من الناحية الأخلاقية، لم تكن خطئا أخلاقيا فحسب بل نعتقد بأنه خطئ أخلاقي من ناحية موضوعية. ما أعنيه بكلمة "موضوعية" هو أنه مثلا: لو تمكن النازيون من اجتياح أوروبا بنجاح وتمكنوا من غسل أدمغة كل الناس لكي يصدقوا بأن تنفيذ الإبادات الجماعية أمر عادي، فإن الأمر سيبقى دائما خطئا أخلاقيا من ناحية موضوعية بغض النظر عن التجربة الإنسانية. بما أن كوننا يحتوي على أخلاق موضوعية فإنه من المنطقي أن يكون الله موجودا، لأن الله مطلوب وجوده كأساس منطقي في موضوعية الأخلاق. فمن دون الله الأخلاق شخصية وغير موضوعية ، وذلك لأن الله هو المفهوم الأساسي الوحيد الذي يتجاوز ويسمو على الذات الشخصية الإنسانية. وبالتالي فإن الكون بأخلاق موضوعية لا معنى له بدون الله. في ضوء ذلك يمكن للمسلم أو المؤمن أن يقول:

1. إذا كان الله غير موجود، فإن القيم الأخلاقية الموضوعية لا وجود لها
2. القيم الأخلاقية الموضوعية موجودة في الكون
3. إذن الله موجود. وسنشرح هذا الاستنتاج.
السؤال حول موضوعية الخير والشر، أو بمعنى آخر الأخلاق الموضوعية، قد ناقشه العديد من فلاسفة الأخلاق. وقد خلص العديد منهم إلى عدم وجود الأخلاق الموضوعية بدون الله، على سبيل المثال: يقول ج.ل. مكي في كتابه "الأخلاق" بأن القيم الأخلاقية الموضوعية غير موجودة. ويقول الفيلسوف ذو النزعة الانسانية بول كورتز: "السؤال المركزي بخصوص المبادئ الأخلاقية والقيمية يتعلق بهذا الأساس الأنطولوجي (المهتم بوجود الله)، لو لم تكن مستمدة من الله ولا من أي أساس خارق يتجاوز واقعنا، فهل هي عابرة وسريعة الزوال؟ "
بول كورتز محق في هذا، فالله هو المفهوم الأساسي الوحيد الذي يتجاوز ويتعالى عن الذات الشخصية الإنسانية، وذلك من دون الله لا يوجد أي أساس منطقي للأخلاق الموضوعية. لتفسير هذا فلنناقش الأسس الفكرية البديلة للأخلاق، لأنه بغياب الله لا يوجد سوى أساسين بديلين:
- الضغط الاجتماعي
- التطور

الضغوط الاجتماعية والتطور الدارويني لا يوفران أي أساس موضوعي للفضيلة والأخلاق لأنها كما يدعيان بأن أخلاقنا تعتمد على التغييرات: البيولوجية والاجتماعية. ولذلك فإن الأخلاق لا تكون ملزمة وصحيحة بغض النظر عن من يؤمن بذلك. لذلك فمن دون الله ليس هناك أي أساس موضوعي للفضيلة والأخلاق. والله كمفهوم ليس شخصيا أو ذاتيا، لذلك فوجود الله كأساس للأخلاق يجعلها ملزمة وموضوعية، وذلك لأن الله يتعدى ذاتية الإنسان. عالم الأخلاق البارز ريتشارد تايلور يستنتج استنتاجا منطقيا في قوله: " الكتاب المعاصرون في الأخلاق، الذين يتناقشون حول الالتزامات الأخلاقية وما هو صحيح وما هو خطأ دون أي إشارة للدين، هم  في الواقع ينسجون أنسجة فكرية في فراغ، والتي تظهر للعيان بأنها نقاشات من دون معنى".
بما أن الكون يحوي أخلاق موضوعية، ووجود الله ضروري كأساس فكري للأخلاق الموضوعية ، فإن الكون الذي نعيش فيه يجعل من المنطقي أن يوجد الله.

ملاحظة سريعة حول "الشرور" الدينية
وقبل أن أختم أود تسليط الضوء على الرد على ادعاءات دوكنز الأخرى حول مفهوم الله والحياة الدينية. يبدو بأن دوكنز ينسب كل الأشياء السلبية والشريرة إلى الدين، لكن هناك أدلة قوية تثبت بأن هذه الأمور ليست خاصة بالدين نفسه، ولكن المفهوم المشترك المسيطر هو الإنسانية. ويلخصها كيث وورد، أستاذ الكرسي الملكي السابق في اللاهوت بجامعة أكسفورد، حيث يقول: " من الصعب جدا التفكير في أي نشاط بشري منظم قد يبدو مفسدا ... والملخص هو أن فساد المتدينين وفساد اللامتدينين قد يحصل على حد سواء. ليس هناك أي نظام سحري أو أي معتقد ولا حتى الديمقراطية الليبرالية قد تضمن لنا أن تمنع ذلك الفساد".
لتوضيح هذا اسمحوا لي أن استخدم بعض الأكذوبات القديمة التي تقول " الأديان هي سبب الحرب والصراع" وأبين لكم بأن الحروب والصراعات لا تقتصر على الأديان. ففي التاريخ القصير للعلمانية نرى بأنها ارتكبت المجازر التالية باسم اللادينية وهذه الأيديولوجيات (المذاهب الفكرية) الشيوعية والقومية والداروينية الاجتماعية:

• 70.000.000  أثناء حكم الرئيس ماو
• 20.000.000  في عهد ستالين
• 2.000.000  بسبب بول بوت
• 700.000  من العراقيين الأبرياء في الاحتلال الحالي
• 500.000  طفل عراقي جراء العقوبات في 10 سنوات

لذلك يمكن أن نرى بشكل واضح أعلاه بأن الحرب والصراع ليست حكرا على الدين، بل هي ظاهرة إنسانية سببها الإنسان وليست خاصة بالدين. كما يقول البروفسور ستيفن كارتر في كتابه الأدب: "إن المقولة التي تزعم بأن الحروب قد تم خوضها باسم الله هي مقولة ليست في محلها وغير متناسقة. كما أشار إلى ذلك العالم اللاهوتي وينك والتر بقوله بأنه قد مات أناس في القرن العشرين باسم حروب العلمانية أكثر من أولئك الذين ماتوا في القرون الخمسين الماضية مجتمعة ... لا توجد حرب دينية في التاريخ ألحقت ضررا، ولا حتى تلك الحروب الدينية في التاريخ مجموعة معا، بقدر حروب هذا القرن باسم القومية والايديولوجية ".

الخاتمة
حاولت في هذه المقالة أن أرد على الكتاب الأكثر مبيعا لريتشارد دوكينز "وهم الإله" من خلال الرد على أدلته الأساسية والأدلة التي يعتبرها الفلاسفة أقوى أدلة لديه. ومع ذلك فإن الأفكار مهما كانت صادقة فإنها نادرا ما تقنع الآخرين، وارتأيت بأنه سيكون من الأفضل أن أقول بقول الله تعالى - القرآن الكريم - وأن يكون هو القول الفصل ببلاغة رائعة وأسلوب راق يقول الله تعالى:
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}



وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين





الاثنين، 26 مارس، 2012

كيف نتعامل ونرد على الملحدين - ماهي الحرية الحقيقية - حمزة تزوتزس

الحرية الحقيقية في العبودية لله تعالى
كيف نتعامل ونرد على الملحدين - الداعية حمزة تزوتزس





بسم الله الرحمان الرحيم
إن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أيها الاخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اخوتي وأخواتي الأعزاء موضوعنا اليوم مهم للغاية سوف نقوم من خلاله باثبات وجود الله لغير المسلمين وكيف نقوم بوضع أدلة قوية ومقنعة تثبت وجود الله تعالى
موضوعنا جد مهم بما أننا نعيش في الغرب في أمريكا وبريطانيا وأوروبا فنحن نواجه تحديات كثيرة فالاسلام هو الدين الوحيد العقلي وأقصد بهذا أنه غير مادي بمعنى أن النقل متوافق مع العقل كما يقول الشيخ ابن تيمية بعدم تعارض العقل مع النقل أي التفكير المنطقي مع القرآن وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لكن يجب علينا أن نتسم برجاحة العقل وتفكير منطقي متناسق مع الواقع والحقيقة.


كمسلمين يجب أن نقف في وجه الملحدين الجدد كدوكنز وهاريس وهتشنز وغيرهم
نقول لهم بأنا نملك كتابا قويا جدا (وهو القرآن الكريم) لا يحيي القلوب فحسب بل يرفع من عقل ومنطق الانسان ويبرهن على وجود إله وهذا ما أريد ايضاحه بالبرهنة على وجوده تعالى بأدلة منطقية قوية ، والرد على شبهات وأدلة الملحدين أو الأسئلة التي يطرحونها على المسلمين.


لماذا لم يتحدث القرآن الكريم كثيرا عن الالحاد؟
وقبل البدء في سرد الأدلة بودي أن أناقش شيئا مهما يتحدث عن وجودنا وحياتنا كبشر
يجب أن نعي أن الالحاد في رأيي المتواضع ليس له علاقة بالفلسفة أو العلوم بل بعلم النفس لأن القرآن الكريم نادرا ما يتحدث عن الالحاد رغم أنه يتكلم مجملا عن التوحيد وعظمة الله تعالى. يتحدث عن توحيد الأسماء والصفات والربوبية والألوهية وتوحيده بالعبادة والاستعانة ، فهذا القرآن يجعلنا نتفكر في حقيقة الكون هل يمكن أن يأتي من العدم وهل يمكننا أن نأتي من العدم.
في نظري الالحاد متعلق بالقلب وصلاح القلب وأريد أن أسألكم بينما تفكرون معي في سر وجودكم: بدون الله عز وجل هل هناك أي قيمة حقيقية مطلقة في الحياة؟ أنا لا أتكلم عن القيمة الفردية كأن تقول أنا انسان طيب أو أريد أن أصبح مهندسا...  بل أتكلم عن القيمة الحقيقة هل يمكن أن توجد بغياب الله تعالى؟
يمكنك أن تمضي حياتك كلها تحاول أن تصبح طبيبا أو أن تجد علاجا للسرطان أو أن تصبح محاميا أو سياسيا وتطبق السلام والعدل في العالم ... فكر معي: إذا انتهت حياتنا في القبر هل هناك أي قيمة لوجودنا؟ إذا لم توجد آخرة أو إله حتى ولو عشنا حياتنا أنا كشرير وأنت كانسان صالح فمن يهتم إذا لم توجد آخرة وقوة عظمى مسؤولة؟
بنفس المعنى بدون وجود إله ليس للحياة معنى أو قيمة أو هدف مطلق. تخيل معي: هدفي أن أصبح طبيبا وأنت مهندس فهذا كله وهم وعبث لأنك تنسب الهدف والمعنى الحقيقي لحياتك أنت ولنفسك ، والحقيقة أن الهدف والمعنى الحقيقي لوجودك هو عدم وجودك أي مرتكز على عملية عشوائية أو صدفة أو خطأ في الطبيعة أو بمعنى أنني يتيم كوني فقد تركت لأسأل السؤال لماذا... مع العلم بأننا مختلفون عن الحيوانات الغريزيين في عيشهم. هذا ما قاله أحد الكتاب الأمريكيين عندما قال: حقيقة ولادتك يشابه اختطافك وبيعك كعبد لأنك لم تختر والديك ولم تختر جنسيتك ، فأنت مثلا باكستاني أو بنغالي أو صومالي ... هل اخترت حمضك النووي؟ هل اخترت مكان ولادتك؟
أنت لم تختر أي شيء من هذا ولا حتى حالتك الاجتماعية والعضوية... وتقول بأنك حر بل أنت عبد ومقهور لهذه الأشياء.


السؤال هو كيف نحقق الحرية الحقيقية؟
يجب أن نفهم حالتنا هل يجب أن نكون عبيدا لأنفسنا ولغرائزنا وعملياتنا العضوية أم عبيدا لله تعالى لأن العبودية لله تعالى هي التي تحقق حريتك؟
قد تقول بأني حر وأستطيع بالقيام بأي شيء أردته لكن اختيارك لايعني بالضرورة أنك حر فيمكن أن تكون عبدا لاختياراتك لأنها تختلف باختلاف الظروف الاجتماعية والعضوية ونزواتك ورغباتك. أنت دائما عبد لشيء ما ، فما الذي يحقق لك حريتك الحقيقية؟
الحرية الحقيقية هي العبودية لله تعالى والخضوع له والامتثال لأمره وليس الخضوع للنزوات والعوامل الاجتماعية والعضوية والنظام العالمي.
هذه مقدمتنا لدرسنا "موضوع الالحاد" الذي يخص حياتنا ووجودنا ككل.
إذن هل تختار أن تكون عبدا للمجتمع والعوامل الاجتماعية والعضوية وغرائزك ونزواتك أم تختار العبودية الحقيقية لله تعالى وحده التي تحررك من كل هذا؟ هل ستجعل لحياتك هدفا حقيقيا وقيمة جوهرية؟
هذا ما يجب أن نحسه وندركه في درسنا هذا لأنها الحقيقة.
تخيل معي مثلا لو كنا مجرد مادة أو جزيئات كما يقول الملحدون فأسألكم سؤالا ما الهدف من كل هذا؟ فكروا معي لماذا ننسب الهدف لهذه الفكرة؟ ما الهدف من كوننا مادة؟
مثلا: انفجار قنبلة تقتل أبرياء من منظور الحادي ماهو إلا اعادة تجميع وترتيب الجزيئات وليس قتلا لأبرياء ، فكر في هذا: نحن مجرد جزيئات كربون تترتب وتنقسم أي أن الأمر ماهو إلا ترتيب للمادة والطاقة هذا مايقودنا إلى حوار منطقي وعقلي على وجود الله تعالى.
تكلمنا عن الجانب الوجودي والروحاني لوجودنا والمعنى الحقيقي بكوننا موجودين.
بدون الله تعالى ليس لدينا معنى ولا هدف جوهري.


طرح أدلة وجود الله تعالى ؟
اخوتي وأخواتي هذه بعض الأدلة التي أثبت بها وجود الله تعالى وهذه الأدلة نابعة من القرآن الكريم فيجب علينا التركيز عند حوارنا مع شخص ما ألا نستعمل في الحوار أي مسلمات أو مبادئ لا تنتمي أو لاتنبع من القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة كي لانقع في مغاطلات أو كلام لا معنى له أي كلام غير فلسفي ولا عقلي تستعمل فيه أدلة وحجج غير نابعة من القرآن والسنة.
كي نتحاور حوارا مقبولا فلنركز على أسس ومبادئ القرآن والسنة وهذا لا يعني بالضرورة أن نذكر كل ماهو موجود في القرآن والسنة بل المهم أن تكون الأفكار نابعة وموجودة فيهما هذا أمر مهم للغاية أيها الاخوة.


الدليل الأول: وجود واجب الوجود منطقي لبدأ الكون؟
لنبدأ بالحجة الأولى: الله تعالى واجب الوجود وأمر منطقي لبدأ الكون وفقا للقرآن والسنة نحن لانؤمن بأزلية الكون وهذا رد على الملحدين مثل برتنارد راسل الذي قال:" الكون حقيقة ثابتة هو موجود وحسب ، ليس له بداية ولا نهاية إنه أزلي". فكره مثل الفكر الأرسطي التي تبناه بعض المسلمين للأسف في وقت ما عندما لم يفهم الدين في ضوء القرآن والسنة وقد جاء ابن تيمية لاحمه الله ورد على بعض هذه المزاعم.
القرآن الكريم يقول بأن للكون بداية ، مثلا في قوله تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده} {أولو ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما}
 وتماما كما يقول العلماء والمعروف بالانفجار الأعظم ، كلكم تعرفونه (البيغ بانغ)
يقول علماء الكون بأنه قد نشأ الزمان والمكان والمادة والطاقة جراء هذا وهو النشوء (Singularity). هذا النشوء أوجد الزمان والمكان له الكثيرمن النماذج حول الانفجار الأعظم وكلها تصب في فكرة واحدة وهي البداية وهذا باجماع جميع العلماء وقد قال ألكسندر فلنكلن وهو من أبرز علماء الكون: " هذا أمر ثابت ولا يمكن الهروب من حقيقة نشوء وبداية الكون" ، ونحن نعلم بأن الكون قد بدأ لأنه لو لم يبدأ لتوجب وجود حوادث ماضية لانهائية أي أن تاريخ الأحداث الماضية غير منته.


هل توجد فكرة اللانهائية في الواقع؟
السؤال هو هل توجد فكرة اللانهائية في الواقع وفي العالم الحقيقي المادي؟
تخيل بأني أريد أن أعانق الشيخ لكن لايمكنني أن أفعل حتى يعطيني أخي موافقته وأنت لايمكنك أن توافق حتى يوافق الذي بجانبك ، لو استمر هذا للأبد هل يمكنني أن أعانق الشيخ؟ بالطبع لا. هذه هي حقيقة اللانهائية فهي لاتوجد في الواقع بل وتخلق التباسا ولو طبقنا هذا على فكرة تسلسل الكون لا يمكن أن يكون لانهائيا.
إذن للكون بداية وأثبتنا ذلك فلسفيا وعلميا ، وهذا معلوم لدرجة أنك أحيانا لاتظطر لمناقشة هذه النقطة.
الآن فكر معي لو أن للكون بداية فما هي الاحتمالات الواردة؟
وقد أظهرها لنا القرآن الكريم سابقا في كلامه عن الخلق ، عند النظر في التفاسير والشروحات يمكن أن تطبق على أي نوع من البدايات بما في ذلك الكون.


الاحتمالات الثلاث: النشأة من العدم أو انشاء الذات أو انشاء فاعل؟
إذا كان الكون قد بدأ فإما أنه نشأ من لاشيء أو أنشأ نفسه أو أنشأ أو خُلق بفعل فاعل.
هذا كل مايوجد من احتمالات وبما أن الكون قد بدأ يقينا فإما أنه من العدم أم خلق نفسه أم أنه خُلق.
الاحتمال الأول: النشأة من العدم؟
فلنناقش النقطة الأولى: هل يمكن للكون أن ينشأ من العدم؟
هناك قاعدة ومسلمة لاينكرها أحد. المسلمة تقول: لا ينشأ أي شيء من لاشيء
فمثلا لو قلت: نشأ على يساري وحيد قرن رمادي هل يمكن أن تتفق معي على أنه نشأ من العدم؟
مثلا نشأ على يميني فجأة رجل إسكيمو فهل تقبل هذه الفكرة؟ 
لو سمعت صوتا فهل يمكن أن نقول بأن هذا الصوت أتى من العدم؟
هذه قاعدة معلومة ولا ينكرها أحد ويتفق عليها معنا غير المسلمين والمفكرين منهم سوورت الذي ذكر في مقال نشره حول الزمن بأن هذا معقول وبديهي.
الاحتمال الثاني: النشأة الذاتية؟
الخيار الثاني هو أن الكون قد أنشأ نفسه.
هذه الفكرة غبية وساذجة لأنه لو لزم لشيء أن يخلق نفسه لوجب أن يوجد وأن لايوجد في نفس الوقت فهل هذه الفكرة معقولة؟ إذا لم تفهم فكر معي في هذ المثال...
هل يمكن لأمك أن تلد نفسها؟ فكرة خلق الكون لنفسه تعادل ولادة الأم لنفسها أو أنك أنت ولدت نفسك هل هناك أي احتمال؟ بالطبع لا.
الاحتمال الثالث: انشاء بفعل فاعل؟

وهنا لايبقى أمامنا سوى الخيار الأخير ألا وهو وجود صانع وسبب وخالق.
مصمم الكون هذا قوي قوة مطلقة لأنه خلق الكون كله ، وحكيم لأنه خلق قوانين ذكية وهذا دليل على الذكاء والحكمة ، ولابد أن يكون هذا المسبب بدون سبب. لماذا نقول هذا؟ لأن بعض الناس تقول من خلق الله؟


الجواب على السؤال من خلق الله تعالى؟
الجواب هو لو استمرينا بهذا السؤال لما وُجد أصلا خلق وكون؟
ركزوا معي لو قلنا من خلق الخالق لابد أن نستمر في السؤال: من خلق الخالق الذي خلق الخالق الذي خلق الخالق الذي خلق الخلق؟
وهكذا: من الذي خلق الذي خلق الذي خلق الذي خلق الذي خلق الذي خلق الذي خلق الذي خلق الخالق الذي خلق الخلق؟
لو استمرينا في هذا للأبد فهل يمكننا أن نحصل على خلق وكون؟ بالطبع لا.
نفس المثال الذي ذكرته قبل قليل بخصوص معانقة الشيخ بعد أخذ الإذن ثم الإذن ثم الاذن ثم الاذن للأبد. ليس هناك أي شيء منطقي بهذا لو استمرينا في سؤال هذا السؤال
الأمر غير منطقي إذن لابد بالتأكيد أن يكون المسبِب بدون سبب وغير مخلوق.
باستعمال العقل وصلنا لما قاله القرآن الكريم منذ 14 قرنا فكما نعلم أن الله تعالى قد قال في سورة الاخلاص {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد} الله أحد فرد واحد ، الأزلي الصرمدي ذو القوة المطلقة ، لم يلد ولم يولد وليس له مشابه ولا نظير ولا ند. أنظروا ماذا استنتجنا بمجرد تحليلنا لبداية الكون فهو لم يأتي من العدم ولم ينشئ نفسه لذلك لابد له من سبب وخالق. برهان بسيط وأقسم بالله لو طرحته على أي ملحد فلن يجد له جوابا.
وليس هناك أي احتمالات أخرى... إذن فتفسيرنا هو أفضل تفسير ويمكن لكم أن تناقشوه مع الملحدين في مجتمعاتكم ، قل لهم نحن نعلم بأن للكون بداية وليس أزليا إذن إما أنه أتى من العدم أم خلق نفسه أم أن له خالقا. سؤال جوهري وعميق. هذا هو الدليل الأول ولننتقل إلى الدليل الثاني ألا وهو دليل تصميم الكون.


الدليل الثاني: التصميم الذكي للكون؟
تخيلوا معي بأننا على جمال في الصحراء الكبرى وفجأة وجدنا هاتف بلاكبيري أو أيفون، نحمله وننظر إليه بعجب وبدهشة بادية على وجوهنا نسأل: كيف وُجد هذا؟
الاحتمال الأول هو الصدفة. فقد تجمع البترول وخلق بلاستيكا وذاب الرمل فكون الزجاج والسيليكون وبطريقة ما بسبب هذه العملية العشوائية وجدت رقم هاتفك عليه.
الاحتمال الثاني هو أنه صُمم ووُضع هناك بفعل فاعل. ما هو أحسن تفسير لهذا؟
وجوده بفعل عملية عشوائية أو صدفة أم أنه مصمَّم؟
التفسير المنطقي هو التصميم بكل تأكيد وفرضية الصدفة غير منطقية مطلقا لأن احتماليتها غير قابلة للاحتمال وغير منطقية لكي نستعملها كحوار، وإن أستعملت فهذا يعني بأننا لن نكمل نقاشنا لماذا؟
تخيل معي بأن تقول لملحد ما:" أنا لن أصدق بأن أمي هي أمي بعد الآن، أنا أظن بأنها فيل وردي ولد في كوكب بلوتو وجاءت إلى هنا بسيارة مستانغ" ... قد يقول لي:" يا سيدي أنت مجنون" فأجيبه: "ولكن هناك احتمال".
هذا احتمال غبي وهذه الطريقة غير منطقية لنستعملها كأدلة في الحوار... إذن فأفضل تفسير هو التصميم الذكي ولو طبقنا فكرة الهاتف على الكون كله الذي هو أكثر تعقيدا من الهاتف نجد أن التصميم هو الصواب.


مارأي الملحدين في دليل التصميم الذكي؟
رد الملحدين على هذا تجدونه في كتاب (وهم الإله) في الصفحة 157-158 للملحد رتشارد دوكنز وهو يقول:" التصميم الذكي بالفعل دليل قوي لكن لدي مشكلة ألا وهي من صمم المصمم؟"
نرد عليه بطريقتين:


الطريقة الأولى: حتى في العلوم فإن أفضل تفسير لايحتاج لتفسير.
تخيل معي بإننا ذهبنا للقمر وبدأنل بالحفر ووجدنا هاتفا وبعض القطع من كاميرا ومسجل وآلة تصوير وخزف ورماح وسهام ... إلخ  ، ماهو أفضل تفسير؟
أفضل تفسير بالنسبة لأي شخص هو وجود حضارة ما.
فيأتي شخص ويقول: لا يمكنك قول هذا لأننا لانعرف اسمهم ولا أصلهم...
فهل هذا يعني بأن تفسيرنا ليس بأفضل تفسير؟ بالطبع تفسيرنا هو المنطقي.
الطريقة الثانية: كذلك قولنا من صمم المصمم يمكننا من قول الشيء نفسه ، من صمم المصمم الذي صمم المصمم الذي صمم التصميم؟
ويمكننا أن نستمر في ذلك: من صمم المصمم الذي صمم المصمم الذي صمم المصمم
الذي صمم المصمم الذي صمم المصمم الذي صمم المصمم الذي صمم الكون؟
إذا استمرينا للأبد فهل يمكننا الحصول على كون أو تصميم؟
أي كأنهم يقولون بهذا السؤال بأنه لايوجد كون. إذن لابد من وجود مصمِّم غير مصمَّم أي خالق غير مخلوق.


هذا هو دليلنا الثاني دليل التصميم هو اثبات لوجود الله وقد ضربنا مثال الهاتف وتكلمنا عن الدليل الأول بأن وجود واجب الوجود منطقي لبداية الكون.
سأعطيكم الدليل الثالث وهو القرآن الكريم بحد ذاته لأنه دليل على وجود الله فإذا أمكننا أن نبرهن بأنه كتاب من عند الله تعالى وعدم وجود أي سبب طبيعي له أي أنه ليس من عند إنسان ولا أي شيء ذكي في العالم المادي فهذا دليل على أنه من عند الله عز وجل. 


الدليل الثالث: وجود واجب الوجود منطقي لبدأ الكون؟
نعلم بأن القرآن الكريم كتاب مميز وعظيم لأن القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يحض على استعمال العقل والبصيرة والنفسية والقلب والروح والفطرة وطبيعة الإنسان.
والقرآن يطرح أسئلة بالحاح وقوة ايجابية عظيمة وغير سلبية تؤدي إلى الاجابة على الأسئلة الوجودية الجوهرية {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} {أولم يتفكروا في أنفسهم}
{أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} {وكذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون}
كلمة تفكر جاءت من الجذر (ف-ك-ر) طبقا للقواميس العتيقة الشيء الذي تتفكر فيه بعمق أو تعمل عقلك فيه بروية أو تركز في مضامين وحقائق الأمور والأشياء...
إذن القرآن يحث على التفكر وهو يشجع الناس على ذلك ويسأل أسئلة منطقية بخصوص الحياة والإنسان والكون والأشياء التي في أنفسنا. فهذا كتاب عظيم وجليل حتى الملحدون يقولون بأن هذا الكتاب مثير للاهتمام يجعلك تتساءل وتطرح أسئلة فهو لايقول "آمن فحسب بمجرد أني قلت ذلك" وليس مرتكزا على الايمان الأعمى.


تحدي القرآن الكريم للبشر؟
القرآن يتعدى هذا بكثير حيث يقول في سورة البقرة {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتو بسورة من مثله وأدعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين}
يتحدى القرآن المشككين والفلاسفة والعلماء والمفكرين إن شكوا في ما أوحي لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن يأتوا بسورة من مثله، وأن يدعوا شهداءهم وأدعياءهم إن كانوا صادقين في ادعائهم. بما أنا لدينا الكثير من المفسرين كابن عباس رضي الله عنه والقرطبي وابن تيمية والغزالي وابن كثير والجلالين رحمهم الله ورضي عنهم، يفسرها بعض المفسرون ويجمع العلماء تقريبا بأن هذه الآية تتحداهم في البلاغة والفصاحة واللغة والتفرد وبحور الشعر...
كما نعلم أن القرآن قد أوحي في وقت كانت العرب تفخر بشعرائها الفحول الذين لايضاهون في اللغة، وقد قال المستشرقون الذين درسوا الاسلام والثقافة العربية الشرقية بأن العربية بلغت أوجها في عهده صلى الله عليه وسلم وقد أرخ أحد المؤرخين بأن المجتمع العربي كان يحتفل احتفالين: احتفالا بميلاد مولود وبزوغ شاعر من بينهم.
لذا جاء القرآن يتحداهم بأن يأتوا بمثله إن شكوا بأنه ليس من عند الله عز وجل، وقد قال الوليد بن المغيرة الذي كان من أفحل شعراء زمانه بأنه والله ماهذا بكلام بشر حتى أنه قد أقسم بالله. وقد فشلوا في ذلك لأننا كما نعلم بأن القرآن لايمكن أن يقلد ولا أن يشابه أي لايمكن تقليد لغته وبلاغته وفصاحته.
وهو ليس كأقوال شكسبير أنتم تعرفونه أو ما يسمونه (بطرافة) الشيخ الزبير...
يمكن أن تعجبك بعض أعماله مثلا: رميو ياروميو أين أنت ياروميو؟ تبرأ من أبيك ومن اسمك... أو مثلا تخيله على شكل اسلامي: يا عبد الله تبرأ من أمك ومن قبيلتك (بطرافة).


القرآن قد بلغ قمة البلاغة لكنه أيضا متفرد ومتميز باستخدام تقنية وشكل اللغة لذا قال المستشرق أ.ج. أرباري:" القرآن هو اندماج فريد من نوعه للشعر والنثر" لأنه لايمكن وصفه بالشعر لعدم توافقه مع بحور الشعر وليس نثرا أيضا لأنه ليس كلاما مباشرا ولا نثرا موزونا لذلك سمي قرآنا. وحتى ديفيد ستيورت الذي يعتبر المستشرق المعاصر الوحيد الذي درس الشكل الفريد والمميز للقرآن يقول:" بأن القرآن فريد من نوعه
لا هو شعر ولا نثر لذلك لم يقلد".
قد يقول قائل: يجب أن أتكلم العربية لكي أدرك هذه الحقيقة وأنه معجزة لغوية فأقول لك ليس بالضرورة وسأسألكم سؤالا: من يعتقد بأن دولة اليونان موجودة فعلا فليرفع يده؟


هل تصدق بأن اليونان موجودة؟
كلنا متأكدون من وجودها لكن كيف عرفت هذا؟ هل ذهبت إلى اليونان؟
يا إلهي لا أحد منكم ذهب إلى اليونان ومع ذلك متأكدون؟
قد تقول لي لقد رأيتها على الخريطة فأقول لك تخيل معي: لو أني حملت خريطة ورسمت جزيرة في المحيط الهادي وسميتها مثلا جزيرة (فوفولا) وأخبرتك بأني من هناك فهل تصدقني؟
هل تكلمتم مع شخص يوناني في اليونان من قبل؟ إذن من أين لكم بهذا اليقين والتأكد.
هل رأيت فيديو؟ إذن لو أني صنعت فيدو عن (فوفولا) هل ستصدقني؟
ألا يمكن أن تكون مؤامرة جماعية؟
في اليوتيوب؟ حتى ولو صنعت فيديو وقلت بأني صيني وتكلمت باللغة الصينية ... فهل ستصدقني بمجرد ادعائي ذلك؟ لماذا أنتم متيقنون بأن اليونان موجودة.
الدراسات الاجتماعية؟ طبقا لهذه الدراسات فأنا متهم بكوني ارهابيا فهل ستصدق ارهابيا. لماذا أنتم متأكدون من وجود اليونان؟
تقريبا مانسميه بالمعلوم يقينا ... وهو التواتر.


ماهو التواتر؟
التواتر علم مبني على خبر وشهادة الجماعة وأشخاص كثر لم يلتقوا مع بعضهم ومع ذلك أكدوا صحة الخبر فإذا إدعينا بأن اليونان غير موجودة كأننا نتهمهم بمؤامرة جماعية
لذلك س. أ. كودي يشكك قائلا:" نحن لسنا متأكدين حقيقة بأن الأرض كروية ولاأظن بأن أحدا سيغضب إن ادعينا بأنها مسطحة" لأنك لم تحس بكروية الأرض بل رأيتها على خريطة فقط وما هذا إلا مصدر ثانوي وما أدراك بأنها غير مزيفة ، حتى ولو أثبتت لك بطريقة رياضية فأنت أصلا قد لاتفهم كيف أثبتت بالرياضيات. إذن فنحن نتفق على هذا لأنه تواتر وشهادة جماعية وبتطبيق نفس الفكرة على القرآن فانكارنا له يكافئ انكارنا لوجود اليونان لأنه مبني على التواتر.
حتى بشهادة غير المسلمين فضلا عن المسلمين أنفسهم الذين يرون أنه لم يقلد ولم يستطع أحد أن يتحداه وقد قال عن هذا المشترق والمترجم البريطاني فوسترود أبوثنو:" رغم كل محاولات تحدي القرآن ، فلحد الآن لم تنجح ولا محاولة واحدة".
والكثر من غير المسلمين يتفقون معنا في هذا مثلا بروس لورنس البروفسور بجامعة ديوك في كتابه (سيرة القرآن) في الصفحة الثامنة يقول:" القرآن حقيقة علمية معبرة عن حقائق غير منتهية ، تدل على المعنى وانطباقه مع معنى آخر وهو نور على نور ومعجزة بعد معجزة". والدكتور الهولندي مارتن زامن يقول:" القرآن هو أرقى بلاغة وبيان كتب في اللغة العربية". القس ألباس سميث في كتابه (محمد والمحمدية) يقول: "القرآن معجزة روعة الأسلوب والحكمة والحق لمحمد صلى الله عليه وسلم وبالتأكيد هي معجزة". وكما نعلم جميعا بأن المسلمين قد أجمعوا على بلاغة القرآن.
باختصار طبقا للتواتر نجد بأن القرآن منزل من عند الله تعالى وأن أحدا لم يستطع أن يتحدى هذا الكتاب فلنفكر منطقيا ما هو أصله ومن أين جاء؟


ما هو أصل القرآن؟
لديننا بعض الخيارات أولها: هل يمكن أن يأتي عربي بالقرآن؟
لا ، لأن أحسن البلاغاء في ذلك الوقت لم يستطيعوا تحديه إذن لايمكن أن يأتي به عربي حتى أننا قد ذكرنا قصة الوليد بن المغيرة أفضل شعراء زمانه.


ثانيا: هل يمكن أن يأتي به عربي في هذا الوقت؟
هذا مستحيل لأن العربية الحديثة قد عانت من تدهور وتقهقر مثلا: لكي نقول هاتف بالعربية ننطقها تلفون ولكي نقول تلفاز أو مرناة ننطقها تلفزيون وهذه الكلمات الأجنبية مستعملة في أغلب الدول العربية... إذن كيف يمكن لمثل هؤلاء الناس الذين لا يتكلمون اللغة العربية الفصحى العتيقة أن يأتوا بالقرآن.


الخيار التالي: هل يمكن أن يكون غير عربي؟
لا ، لأنك يجب أن تجيد العربية لتتحدى القرآن.


الخيار الذي يليه: هل يمكن أن يأتي به محمد صلى الله عليه وسلم شخصيا؟
بالطبع لايمكنه ذلك ، لأنه أمي ولم يعرف عنه بأنه قد دخل مجال البلاغة والشعر أو أنه جارى الشعراء وهو أصلا لم يتعلم مهارات اللغة والفصاحة ، وكما نعلم بما أنه عربي فهو يدخل تحت قولنا بأنه لا يمكن لعربي أن يتحدى القرآن.
كذلك من ناحية نفسية لايمكن أن يأتي محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن.
لقد درستُ في الجامعة علم اللسانيات النفسية ، يعني أن بعض النواحي النفسية لشخصية الكاتب حاضرة في النص على سبيل المثال نجد أن شخصية شكسبير حاضرة وموجودة في أعماله والكاتب اليوناني هوميروس موجودة في أعماله وحتى كتاباتك أنت ، فأستاذك مثلا يستطيع أن يتفطن بأن الكتابة ليست خاصتك وأنها لشخص آخر على سبيل المثال.
الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مر بتقلبات وانفعالات شاعرية وعاطفية لمدة 23 سنة كاملة ، فقد قوطع في الشعب وطرد من مدينته الحبيبة مكة المكرمة وعذب وقذف بالحجارة في الطائف وماتت زوجته خديجة رضي الله عنها والكثير من أصحابه وقد قاتل وقوتل وكان شجاعا للغاية حتى أنه في معركة حنين وقف لوحده أمام الجيش
وقال ببسالة (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) ... لقد مر بكل هذه التقلبات لكن مع ذلك لم ترد في القرآن. إذن القرآن الكريم من منظور اللسانيات النفسية يبقى من عند الله تعالى وفكر معي لدقيقة: هناك استحالة عجيبة ! كيف يمكن لرجل مر بالكثير من الآلام وحقق الكثير من الانجازات لمدة 23 سنة ألا تظهر مشاعره وشخصيته في القرآن الكريم؟ فبهذا يكون وحيا من عند الله.
وكذلك نتأكد بأنه لم يأت به محمد صلى الله عليه وسلم لأن الحديث النبوي الشريف له طابع خاص عن القرآن الكريم فكيف يمكن لشخص أن يفعل هذا لمدة 23 سنة متزامنا مع نزول القرآن؟ فهما نوعان مختلفان ومتمايزان: القرآن والسنة.
ونزداد يقينا عندما نعرف بأن أي تعبير بشري سواء كان في كتاب أو صورة إذا كان لدينا نموذج ومخطط فنستطيع تقليده أو نسخه أو مشابهته وقد تسمع في الأخبار بأن فنانا هولنديا قد قلد عملا وباعه بملايين الدولارات ، السبب هو بقاء الأصل اليوم فهو يعرف ما نوع الفرشاة المستعملة ونوع التركيبة وتناسق الألوان وطريقة الابداع والرسم وعصره انطباعي أو مابعده ... المهم أننا نستطيع تقليد أي عمل مادام عندنا الأصل. ونحن لدينا القرآن اليوم ، يمكن أن نرى الكلمات والتناسق والصوت ومع ذلك لايمكن للبشر تقليده بل هذا الأمر مستحيل. نحن بقدراتنا البشرية نستطيع تقليد أي نسخة أصلية سواء كانت لغة أو فنا ومحاكاتها لذلك بعض أعمال شكسبير قد نسبت لكرستوفر مارلو
نستنتج بأنه لايمكن أن يأتي محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن.


الخيار التالي هو الشيطان؟ وأتذكر قصة في جامعة لندن وقد كان هناك مبشر مسيحي وقف وقال: قد يكون أصل القرآن من الشيطان؟ فقلت له كيف عرفت بأن الشيطان موجود؟ ففكر للحظة وقال لأن القرآن يقول بأنه موجود ، فقلت له: سأعطيك فرصة أخرى... لأن كتابك المقدس يقول بوجود الشيطان إذن أثبت لي صحة كتابكم المقدس لأنك تتحدث في هذه الحالة عن جسم غيبي لامرئي ، ونحن نحتاج لدليل كي نؤمن به فالآن أنت المطالب بأن تثبت وعليك ايجاد الدليل.


إذن أحسن تفسير بعد قولنا بأنه لا يمكن أن يأتي به عربي ولا أعجمي ولا محمد صلى الله عليه وسلم ولا الشيطان لذلك نستنتج بأنه وحي من الله تعالى. وهذا دليل قوي لنوجهه لأصدقائنا أو للعالم أجمع وفي نظري هو أقوى من الاعجاز العلمي لأن العلم دائم التقدم في حين أن العربية الفصحى قد حفظت ولا يمكن أن تجد حرفا جديدا للغة العربية ولا قاعدة نحوية فالقرآن معجزة خالدة.


بعض أنواع معجزات القرآن الكريم؟
ويمكن أن نتكلم أيضا عن معجزات قرآنية أخرى فعلى سبيل المثال التاريخ.
كما نعلم أن القرآن يتحدث عن التاريخ بطريقة عميقة ومؤثرة ويحذر الحضارات الطاغية ويعطي العبرة بالحضارات السالفة التي دمرها الله تعالى يوخوفهم عذاب الله عز وجل. في نفس الوقت لايؤثر ذكر التاريخ على رسالة القرآن فلو نزعنا شيئا منه فمن المحتمل ألا يقع اختلاف كبير ولكن لماذا؟
مثلا القرآن يذكر لقبين لقائد مصر ففي وقت موسى ذكر على أساس أنه فرعون وفي وقت يوسف عليهما السلام ذكر على أساس أنه ملك. لماذا استعمل لقبين مختلفين؟
التوراة والانجيل والمؤرخون دائما ما يذكرونه على أساس أنه فرعون فلماذا هذا الاختلاف الكبير؟ في ذلك الوقت هذا لم يكن معلوما والهيروغليفية كانت لغة ميتة وأعيد احياؤها في القرن 19 إن لم تكن في بدايات 20.
نحن نعلم يقينا اليوم بأن لقب فرعون قد أطلق 14 قرنا قبل الميلاد في المملكة الجديدة أما المملكتين القديمة والوسطى فقد كان يسمى الملك في وقت يوسف عليه السلام لكن هذا الأمر لم يكن معلوما في ذلك الوقت.
نعلم هذا الأمر اليوم لأننا استطعنا ترجمة اللغة المصرية الهيروغليفية فما الخيار البديل؟
لايمكن أن تدعي بأن محمد صلى الله عليه وسلم قد نسخ من الانجيل لأنك تدعي بأنه قد علم الصحيح ونسخه وترك الأخطاء ولم ينسخها ، وهذا مستحيل لأنك تدعي بأنه كان عالما بكل شيء وكأنه يملك مكتبة كمكتبة الاسكندر الأكبر. إذن هذه معجزة مرتبطة بالتاريخ.


هناك أيضا الاعجاز العلمي ففي سورة (المؤمنون) وصف لتطور الجنين في ثمن مراحل ونحن بصدد كتابة بحث بخصوص هذا الموضوع إن شاء الله... بحث عما حدث بعد الثمانينات والتسعينات يتناول فيه الكثير من العلماء والدعاة الاعجاز القرآني المعاصر. فلننظر إلى بعض المصطلحات مثلا (نطفة) تعني كائن أحادي من مجموعة كبيرة من نوعه طبقا لقاموس لسان العرب والقاموس الغربي لينز لكسيكون: نطفة واحدة بين نطاف كثيرة أو بويضة بين بويضات وكذلك تعني قطرة سائلة.
وكذلك طبقا لحديثه صلى الله عليه وسلم أن النطفة من الرجل ومن المرأة وفي سورة (الحج) أيضا النطفة تعني مادة مختلطة. إذن ماذا تعني هذه الكلمة في علم الأجنة المعاصر؟
هذه هي عملية الاخصاب وهو شيء لايمكن رؤيته بالعين المجردة وهي تتطلب كائن واحد للرجل وكائن واحد للمرأة أي سائل منوي وبويضة يتجمعان ويختلطان كما يقول القرآن ولابد من وجود قطرة سائلة وهو أيضا معنى لكلمة نطفة.
والمني يجب أن يحتوي على حيوان منوي والبويضة محتواة في الافرازات الأنثوية ومعناه السائل. فكيف عرف محمد صلى الله عليه وسلم هذا؟


هل نسخ النبي صلى الله عليه وسلم علم الأجنة من أرسطو وجالينوس؟
البعض قد يدعي بأنه نسخ هذا من الأطباء اليونانيين كأرسطو وجالينوس وأبقراط وهذه مغالطة كبيرة ، لأن جالينوس كان يظن بأن المني الذكري فقط هو من يحتوي المواد الوراثية ونحن نعلم طبقا للسنة بأن النطفة من الذكر والأنثى ، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد سأل رجلا كيف يمكن لشخص أن يشبه أمه مثبتا بأن ماء المرأة لازم لتشكل الجنين.
أرسطو لديه نظرة غريبة ونادرة فيقول بأن الاخصاب يحدث بختلاط المني ودم الحيض وهذه ليست نظرة علمية أصلا ، والقرآن لايذكر أبدا كلمة حيض بل يذكر نطفة.
إذن إذا كان دقيقا فيما يخص العلم المعاصر ولم ينسخ من أرسطو وجالينوس فما مصدره؟
وقد قال الشيخ ماهر علي رحمه الله: " القرآن ليس مرتبطا بالقرن السابع بخصوص العلم بل يتعدى الزمن".
انظروا لما وجدناه باستعمال كلمة (نطفة) فهذا أمر مدهش ويمكن بهذا اثبات بأن القرآن وحي من الله تعالى ونفي وصفه بالطبيعي المادي ، والحقيقة أنه نابع من قوة غيبية غير مادية ويثبت وجود الله طبقا للمعجزات اللغوية والتاريخية والعلمية.


الخاتمة:
دعوني ألخص كل ماقلنا: بدأنا بالسؤال ماالهدف من وجودنا؟ وهي النقطة المهمة التي يتكلم عنها القرآن أيضا... لأن القرآن يتساءل هل ستتبعون آباءكم وتقاليد المجتمع وحالته حى ولو كانوا على خطأ؟ من أنتم وماذا تكونون؟ هل لديكم أي هدف جوهري ومعنى حقيقي في حياتكم في حالة عدم وجود إله وقوة مسؤولة؟
وقد استنتجنا بأنه لايوجد هدف من هذا.
انتقلنا إلى الدليل الأول وهو وجود معنى للكون بوجود الله تعالى وقلنا بما أن الكون نشأ فلابد من وجود ثلاث احتمالات كما ذكر القرآن الكريم: إما أنه أتى من العدم وكما نعلم لايأتي شيء من العدم ، أو أوجد نفسه وهذا غباء وضربنا مثال بولادة أمك لنفسها أو أنت أنجبت نفسك ، والخيار الثالث وهو العقلي بأن للكون موجد ومسبب.
الدليل الثاني هو التصميم الذكي للكون ، وفسرناه بالخلق والتصميم لا بالصدفة والعشوائية ، وقد ضربنا مثال الهاتف الموجود في الصحراء وقلنا بأن البترول والرمل شكلو البلاستيك والزجاج وهكذا وجدت رقم أمك في الهاتف، فما هو أفضل تفسير؟
اللااحتمالية أو التصميم ولو وسعنا نطاق المثال المطبق على الهاتف للكون العظيم الذي يعتبر أكثر تعقيدا من الهاتف فماذا سنجد؟ وأنظر لكل هذا التناسق فأفضل تفسير هو التصميم.
ثم تحدثنا عن معجزة القرآن الكريم وأنه في حد ذاته دليل على وجود الله والغيبيات والاسلام ، وتحدثنا عن المعجزات اللغوية وانكارها يعادل انكار وجود اليونان أو أن الأرض كروية ثم تحدثنا عن المعجزات التاريخية والعلمية في القرآن..
هذه نقاط تثبت لنا قوة أدلتنا ضد أدلة الملحدين.
وبالرغم من تحدثنا عن (من خلق الله وصمم المصمم) وقد أجبنا عليها فإن أقوى دليل يهرب إليه الملحد هو (مشكلة الشر) فيقول بما أن الشر منتشر في العالم فكيف يوجد إله يعتبر رحيما وودودا؟


مشكلة الشر أو معضلة الشر؟
ركزوا معي هذا هو واجبكم العملي: قوموا بقراءة قصة موسى والخضر عليهما السلام في سورة الكهف فمن يعرف هذه القصة يستطيع أن يرد على مشكلة الشر لأن القصة تعلمنا حكمة الله سبحانه وتعالى من أفعاله.
فالذي يقول بمشكلة الشر لايعرف في الحقيقة من هو الله؟ لأنه يفترض بأن الله جيد فقط ونحن المسلمون نعلم بأن لله 99 اسما من أحصاها دخل الجنة بها نفهم ونفسر الوقائع والحقائق ومن هذه الأسماء (الحكيم)، فنحن متيقنون من وجود حكمة وراء أفعال الله تعالى.
قد يقول الملحد بأني لا أرى أين هي الحكمة؟ وهذه مغالطة وخطأ كبير لأنه جدال نابع عن جهل فالحكمة موجودة وأنت قد لاتفهمها وعدم فهمك لايعني عدم وجودها.
فمشكلة الشر تسبب متاعب للملحد وليس للمسلم لأننا نعلم يقينا بأن الدنيا دار ابتلاء وليست دار راحة وهدفنا فيها عبادة الله تعالى ومعرفته ونعلم يقينا بأن الآخرة لا محالة قادمة بعد هذه الدار الدنيا وسيحاسبنا الله تعالى جميعا بالقسط والعدل ، فمن يستحق الجنة والرحمة الأبدية ينالها وكل الأمور ستسوى في ذلك اليوم.


أيضا هناك ردود نفسية وانفعالية بخصوص هذه المشكلة فعلى سبيل المثال: إذا مات المسلم غرقا فهو شهيد والصبي المولود مآله الجنة سواء كان أبواه مسلمين أو غيرها.
وفقا للملحدين يدفن الصبي ويتحلل وتأكله الدود ، أما نحن فنرى بأنه من أصحاب الجنة أو مثلا لو مات شخص ما مبطونا بسبب سرطان المعدة فيكتب شهيدا وصاحب الهدم أيضا شهيد فالزلازل في حد ذاتها نعمة للميت وابتلاء للحي ، وكل هذه الزلازل في الباكستان أهلها شهداء كما تخبرنا الأحاديث وهذا ابتلاء لنا وكيف ستكون ردة فعلنا؟
هل نحكم عليهم أم سنحسبهم من أمتنا... فالمؤمن مرآة أخيه وهنا يظهر واجبنا في مساعدتهم، ولكي يفهم الأحياء أحَدَث هذا جراء المعاصي أو أنه بلاء وهل سنرجع لله ونتوب أم سنبتعد عن طريقه؟


لدينا العديد من الأدلة لدحض مشكلة الشر وهي أصلا ليست مشكلة مطلقا.
لأن الملحد يفرض بأن الله جيد فقط وأننا هنا لننعم بحياة أو بالأحرى لكي نقيم حفلة ، ولكن الله ودود وحكيم وهناك حكمة وراء أفعاله وهذا ليس دليلا عاطفيا ، لأنهم لايعلمون في الأصل من هو الله؟ وهذا هو واجبنا بأن نحمل هذه الرسالة للناس.


اخوتي وأخواتي لقد وصلنا لنهاية حديثنا فقد تحدثنا عن نقاط كثيرة تحدثنا عن مشكلة الشر ودليل بداية الكون وتصميمه ومعجزات القرآن... سبحانك اللهم وبحمدك نشهد ألا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك وجزاكم الله كل خير.
حاولوا ايصال رسالة الاسلام للعالم فكما نعلم الدعوة واجب فالله تعالى يقول في محكم التنزيل: {أدعوا إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنةويقول: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعرف و وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}
ابن كثير يقول بأن الدعوة هي الدعوة إلى الاسلام بمفهمومه العام أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، والقرطبي يفسر هذه الآية في تفسيره {وأولئك هم الفلحون} أي ينالون الجنة فليرفع يده من يبتغي الجنة؟
إذن قوموا بواجب الدعوة إلى الله اخوتي وأخواتي والسلام عليكم ورحمة الله


نسأل الله أن يرزقنا الاخلاص في هذا العمل ولا تنسونا من صالح دعائكم